تعدّ محافظة بعلبك الهرمل المركز الرئيسي لزراعة الحشيشة في لبنان. وتنتشر هذه الزراعة على مساحات شاسعة من سهول البقاع الشمالي، مستفيدةً من المناخ الملائم والأراضي الخصبة. ويعود تاريخ هذه الزراعة إلى أكثر من قرن، حيث بدأت تنتشر في عهد المتصرفية العثمانية، لكنها شهدت ازدهاراً غير مسبوق خلال الحرب الأهلية، حين تراجع نفوذ الدولة، ما سمح بتوسع زراعتها وتزايد الاتجار بها، حتى أصبحت جزءاً أساسياً من اقتصاد المنطقة.
ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية في لبنان، والأحداث الأخيرة التي رافقت التطورات الداخلية والخارجية، عاد الحديث مجدداً عن قوننة زراعة الحشيشة لأغراض طبية وصناعية. وبعدما أقرّ البرلمان قانوناً بهذا الشأن عام 2020، لا يزال تطبيقه معلقاً بسبب غياب إقرار المراسيم التنظيمية. وبينما يرى البعض في تشريع الحشيشة فرصة لتحويل هذه الزراعة إلى قطاع قانوني مربح، يرى آخرون أنه لن يكون بديلاً حقيقياً ما لم يترافق مع خطط تنموية توفر بدائل اقتصادية لأبناء المنطقة.
وفق مصادر عشائرية، يعتمد الأمر على كيفية إدارة هذا التشريع وتطبيقه. فإذا تم تقنين الزراعة ضمن إطار قانوني واضح يسمح للمزارعين بالاستفادة من العائدات بشكل شرعي، مع توفير منافذ قانونية للتصدير أو التصنيع الطبي، فقد يدفع ذلك بعض المزارعين والتجار إلى ترك السوق السوداء والانخراط في الاقتصاد الرسمي، لكن المشكلة لا تقتصر فقط على التشريع، بل تتعلق أيضاً بالبنية التحتية للدولة والفساد، وإمكانية تطبيق القوانين بعدالة.
هناك المطلوبون الكبار والمتورطون في التهريب عبر الحدود. قد تكون لديهم مصالح أوسع من مجرد الزراعة، مثل شبكات التهريب والاتجار الدولي، وبالتالي قد لا يجدون مصلحة في التحول إلى العمل القانوني. لذا، فإن نجاح تشريع الحشيشة يعتمد على إعادة هؤلاء إلى الدولة ويتطلب سياسة أمنية واقتصادية متكاملة تشمل إجراءات تحفيزية لمن يلتزم بالقانون، مثل إعفاءات أو دعم للمزارعين، وملاحقة فعلية لمن يواصل العمل في السوق السوداء، كذلك خلق بدائل اقتصادية في المناطق التي تعتمد على زراعة الحشيشة، حتى لا يكون هناك دافع للاستمرار في التهريب غير الشرعي.
وحول تشريعها واستفادة المزارعين في البقاع، يقول م. ش. وهو أحد المزارعين لـ”نداء الوطن”: “أنا مزارع من بعلبك الهرمل، ورثت زراعة الحشيشة عن أبي وجدي، كما ورثوها عن أجدادهم، ومنذ كنت صغيراً، كنت أرافق أبي إلى الأرض في بداية الصيف، حين نحرث التربة ونجهّزها لاستقبال البذور. كنا ننتظر الشتاء ليغسل الأرض، ثم نعود في الربيع لنزرع الحشيشة. في صغري، كانت الدولة تأتينا أحياناً بجرافاتها لتدمير المحصول، لكن كنا نعرف كيف نخفي جزءاً منه. كانوا يأتون قبل الحصاد بأسابيع، فيضيع علينا تعب سنة كاملة. لكن في بعض السنوات، كان الوضع مختلفاً، إذ كان هناك مسؤولون “يغضّون النظر”، أو بالأحرى، يتقاسمون الأرباح مع الكبار من مزارعينا”.
ويُضيف: “في أيام الحرب، لم يكن أحد يقترب منا، لا الدولة ولا غيرها، كنّا نزرع ونحصد بحرّية، والتجار يأتون إلينا مباشرة لشراء المحصول، وكانت أموالنا بالدولار. كنا نعيش في عزّ، نبني البيوت، نزوّج أولادنا، ونرسل بعضهم للدراسة في الخارج. لكن بعد الحرب، تغيّر كل شيء. في التسعينيات، جاءوا ليقضوا على زراعتنا بحجة التنمية البديلة، وعدونا بالقمح والشمندر السكري، لكن المشروع سرعان ما فشل بسبب غياب الدعم، وبقينا مزارعين بلا محصول، حتى عدنا للحشيشة من جديد، لكن بأساليب أكثر حذراً”.
وأشار إلى “أن السنوات الأخيرة كانت الأصعب، فالأسعار تراجعت، والأسواق ضاقت، والملاحقات الأمنية زادت، ومع الأزمة الاقتصادية، بتنا نبيع المحصول بثمن بخس، ولا نجد سوقاً مضمونة. ومنذ أعوام ونحنا نسمع أن الدولة تريد تشريع الزراعة، لكن من سيستفيد؟ هل سيكون لنا مكان في السوق؟ أم أن الشركات الكبرى ستحتكر كل شيء؟ أنا لا أزرع الحشيشة حباً بالمخاطرة، بل لأن لا بديل لديّ، وإذا أرادت الدولة أن تغيّر هذا الواقع، فعليها أن تعاملنا كشركاء، لا كخصوم، فالأرض لنا ونحن أعرف بها، لكننا لا نريد أن نبقى خارج القانون إلى الأبد”.
وتابع: “إن إقرار المراسيم التنظيمية وتشريع زراعة الحشيشة خطوة إيجابية ولكنها محفوفة بالتحديات، فمن جهة، يمنحني التشريع إطاراً قانونياً يحميني من الملاحقات الأمنية ويتيح لي بيع المحصول بشكل مشروع، ما يعني استقراراً اقتصادياً لي ولعائلتي، وفرصاً للاستثمار في تحسين الإنتاج. لكنه، من جهة أخرى، يطرح تساؤلات حول آليات التطبيق، والأسعار التي ستفرضها الدولة، ومدى قدرة المزارعين الصغار على منافسة الشركات الكبرى التي قد تدخل السوق.
أما في ما يتعلق بالتهريب، فقد يحدّ التشريع منه جزئياً، لكنه لن يقضي عليه تماماً، فطالما أن الأسواق الخارجية، لا تزال تطلب الحشيشة غير القانونية، فسيظل هناك دافع للتهريب، إلا إذا كانت الدولة قادرة على احتكار الإنتاج والتسويق بشكل فعّال، وتقديم أسعار تنافسية تُغري المزارعين بالالتزام بالسوق الشرعي”.
أما بالنسبة للعشائر البقاعية، فأكد “أن الأمر يتوقف على كيفية تعامل الدولة مع الملف، إذا كان التشريع مصحوباً بتنمية حقيقية للبقاع، وتأمين بدائل اقتصادية وفرص عمل، فقد تعود بعض العشائر إلى كنف الدولة، وبخاصة أن الكثير منها لجأ إلى زراعة الحشيشة كخيار اقتصادي لا كتمرد على القانون. أما إذا اقتصر الأمر على تشريع نظري دون آليات واضحة، فستظل الدولة بنظرهم خصماً أكثر منها شريكاً، ونجاح التشريع يتوقف على جدية الدولة في تنظيمه، وعلى استعدادها لإشراك المزارعين في القرار، بدلاً من فرضه من فوق”.
من جهته يقول الخبير الدستوري والقانوني جهاد اسماعيل لـ”نداء الوطن” من الثابت أن قانون رقم 178/ 2020، وهو قانون ترخيص زراعة نبتة القنب الهندي للاستخدام الطبي والصناعي، يترك في المادة 36 منه، إصدار المراسيم التطبيقية اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون بعد موافقة مجلس الوزراء خلال ستة أشهر من تاريخ صدوره، وهي مراسيم تنفيذية تنشأ، عادةً، عندما يترك القانون للحكومة مهمة إصدار التنظيمات المتممة له أو تنظيم أحد موضوعاته، بحيث تضيف هذه التنظيمات الأحكام أو القواعد التي لا بد من اعتمادها لإكمال القانون أو لجعله كاملا، مما يعني أن عدم صدورها يُبقي القانون، كلياً أو جزئياً، معلّقاً، في حين أن الحكومة امتنعت، اعتباطياً، عن تنفيذ الالتزام خلال مهلة قانونية لا يجوز تجاوزها. ما يعزّز هذا المنحى من التحليل أن هذا القانون يُلزم إنشاء هيئة ناظمة لزراعة نبتة القنب الهندي للاستخدام الطبي والصناعي تتولى صلاحية الرقابة والترخيص للمنشآت والعمليات المنصوص عنها في هذا القانون وكذلك السهر على تطبيق هذا القانون، مما يعني أن عدم تشكيل هذه الهيئة يُبقي القانون معطلاً، في حين الفقرة الثانية من المادة 65 من الدستور تلزم الحكومة في السهر على تنفيذ القانون، وهو أمرٌ يجيز لمجلس النواب اتهام رئيس الوزراء والوزراء عن إخلالهم بالواجبات المترتبة عنهم ليصار الى محاكمتهم أمام المجلس الأعلى، وإن صاروا من عداد السابقين أو المستقيلين، ذلك أن المادة 72 من الدستور تشير إلى أن استقالة رئيس أو أعضاء الحكومة ليست سبباً لعدم إقامة الدعوى عليهم”. أمّا آلية اقرار المراسيم التطبيقية فتكون وفق المادة 65 من الدستور لجهة التئام مجلس الوزراء بأكثرية ثلثي أعضائه، واتخاذ القرار توافقياً، وإذا تعذّر ذلك فبالتصويت بأكثرية الحضور لا الثلثين ما دام أن هذا النوع من المراسيم ليس من المواضيع الأساسية الواردة في الفقرة الاخيرة من المادة 65 من الدستور، حيث تحدّد بيان كيفية التنفيذ وبالتالي طرق تطبيق القانون وإبراز أحكامه إلى حيز الوجود.

