في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تترك آثارًا مدمرة ليس فقط على الترسانة العسكرية لحزب الله، بل أيضًا على بنيته القيادية. ومع استمرار الحزب في محاولة امتصاص هذه الضربات، تبرز أسئلة عدة: ما الذي يجعل إسرائيل قادرة على إصابة أهدافها بدقة غير مسبوقة؟ هل هو مجرد تطور تكنولوجي يشمل الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك عنصرًا آخر، أخطر، يتمثل في اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تسهّل تنفيذ هذه العمليات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية من وراء ذلك؟
يصف العميد المتقاعد جورج نادر، القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش، العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها “بالغة التعقيد، وتعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدمة والاختراق الاستخباراتي البشري”، وفقًا لقناة الحرة. نادر يشير إلى أن إسرائيل تستخدم تقنيات متطورة لتحديد هوية القادة الجدد الذين يحلون مكان من تم اغتيالهم، بما في ذلك بصمات العين والصوت والوجه، ويتساءل “من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال”.
نادر يؤكد أن حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبع، حيث تحدثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه.
ويرى نادر أن “ما نشهده هو منظومة اغتيال متطورة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسر نجاح العمليات الأخيرة والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي”.
وحول أهداف إسرائيل، يشير نادر إلى أن تصفية الكوادر العسكرية لحزب الله تحمل رسائل استراتيجية عميقة. “الرسالة الأساسية هي تأكيد قدرة إسرائيل على استهداف أي عنصر أو قائد في الحزب، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يعزز من سيطرتها على المجال الجوي اللبناني ويكرس واقعًا أمنيًا جديدًا”.
يؤكد نادر أن وراء هذه العمليات “رسالة مباشرة مفادها أنه لا أحد بمنأى عن الاستهداف، ما يترك أثرًا نفسيًا بالغًا على العناصر ويقوّض شعورهم بالأمان”.
على مدار السنوات الماضية، رسمت إسرائيل خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، شملت عمليات استهدفت شخصيات بارزة في الحزب. من أبرز هذه العمليات استهداف الأمين العام الأسبق عباس الموسوي في شباط 1992، وكذلك استهداف حسن نصر الله في أيلول 2024 باستخدام صواريخ خارقة للتحصينات في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو الهجوم الذي تلاه استهداف هاشم صفي الدين في تشرين الأول 2024.
الاغتيالات الإسرائيلية لحزب الله شملت أيضًا شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، مثل عماد مغنية الذي اغتيل في تفجير سيارة في دمشق عام 2008، ومصطفى بدر الدين الذي قتل في تفجير استهدفه في أيار 2016 قرب مطار دمشق. كما طال الاستهداف القائد البارز في وحدة “الرضوان” فؤاد شكر، الذي قتل بواسطة طائرة مسيّرة في الضاحية الجنوبية في 2024.

