رغم مرور سنوات على انتهاء الحرب، لا تزال الزراعة اللبنانية عالقة في دوامة الخسائر واللامبالاة الرسمية. يقول إبراهيم ترشيشي، رئيس “تجمّع مزارعي وفلاحي البقاع”، إنّ المزارعين الذين تحملوا الدمار في الجنوب والبقاع، لم يتلقوا تعويضاً أو حتى سؤالاً عن معاناتهم، وكأنّ الحرب لم تكن.
في حديثه إلى “نداء الوطن”، يشير ترشيشي إلى واقع مناخي كارثي يخيّم على القطاع الزراعي: “خرجنا من أهوال الحرب، لنواجه حرباً من نوع آخر اسمها التقلّبات المناخية”. من الصقيع القارس إلى موجات الحرارة الخانقة، مروراً بشحّ الأمطار، كل شيء يُهدّد الزراعة. الأمطار تهطل لتتبخر سريعاً، والخزانات الجوفية والينابيع لم تمتلئ، وبحيرة القرعون شهدت تراجعاً بمعدل 75% عن منسوبها الطبيعي.
نتيجة ذلك، بدأ الري مبكراً في شهر آذار بدلاً من أيار، ما زاد من استهلاك الموارد والتكاليف. يقول ترشيشي: “معدلات الأمطار التراكمية لم تتجاوز 250 ملم، سقطت على دفعات متقطعة وغير مجدية”.
هذا الواقع ترك الفلاح اللبناني في حالة من الإحباط الشديد. أكثر من نصف موسم القمح تضرر، والبقوليات تحوّلت إلى أعلاف للمواشي. أما من يحاول إنقاذ موسمه عبر الري، فيُكابد مشقة نقل المياه وسط عجز الطاقة الشمسية والمولدات عن تغطية الحاجة، بسبب الرياح والغيوم التي خنقت البلاد طوال شهرين.
“نزرع ونصلي”، يقول ترشيشي، واصفاً الواقع القاسي: “الحرب أنهكتنا، والمناخ يخذلنا، والطبيعة تعاندنا”. والأسوأ، أن تكلفة الزراعة باتت مضاعفة، فقد ارتفع كلفة إنتاج محصول كالـبطاطا من 100 دولار إلى 400 دولار فقط لضمان الري.
ورغم هذا الانهيار، لا يُتوقع أن ترتفع الأسعار داخلياً، كما يوضح ترشيشي، لأن الفلاح لا يبيع بأسعار مرتفعة، بينما ترتبط أسعار الأسواق بواقع خارجي مختلف. لذا، يرى أن المطلوب هو دعم مباشر ومساعدات خارجية لمساندة هذا القطاع المنهك.
عن التصدير، يوضح ترشيشي أن المنتجات اللبنانية تصل إلى مختلف الدول العربية باستثناء السعودية، معتبراً أن بوادر الانفراج بدأت تلوح في الأفق. أهمية السعودية لا تقتصر فقط على استيرادها نحو 150 إلى 200 ألف طن من المنتجات الزراعية اللبنانية سنوياً، بل تشمل أيضاً السماح بالشحن “ترانزيت” عبر أراضيها للوصول إلى الخليج.
حاليّاً، لا يمكن تصدير مزروعات صيفية حساسة كالخس والبندورة والكرز إلا عبر البر، ما يجعل الحظر السعودي ضربة مضاعفة للفلاح.
ترشيشي يؤكد أن لبنان نفذ التزاماته: من تركيب أجهزة سكانر على الحدود، إلى إغلاق معامل الكبتاغون ومكافحة التهريب، واصفاً هذه الخطوات بأنها تمهيد ضروري لاستعادة الثقة. ويختم بتفاؤل: “العهد الجديد وعد، ورئيس الحكومة يتابع، ووزير الزراعة يبشّر.. ننتظر فقط التطبيق”.

