وسط أنقاض بلدات جنوب لبنان التي سُويت أجزاء منها بالأرض خلال الحرب الأخيرة، انطلقت اليوم السبت الانتخابات البلدية، في لحظة سياسية مصيرية لحزب الله، الذي يحاول إثبات حضوره الشعبي رغم الخسائر الكبيرة التي تكبّدها.
الحزب الذي خاض معركة دامية مع إسرائيل منذ أكتوبر 2023 “نُصرة لغزة وتضامنًا مع حماس” – حسب روايته – يواجه اليوم تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على نفوذه الداخلي في وقت تتزايد فيه الدعوات لنزع سلاحه، وتقديم نفسه كقوة صامدة رغم التراجع الكبير في قدراته وهيبته.
في مشهد انتخابي غير اعتيادي، انتشرت في الجنوب ملصقات دعائية تدعو الناخبين لدعم لوائح الحزب، في محاولة منه لتأكيد أن قاعدته ما زالت وفية رغم الأزمة. هذه الانتخابات لا تبدو تقليدية، بل أشبه باقتراع على النفوذ السياسي، يأتي في وقت حرج يترافق مع ضربات إسرائيلية متواصلة وارتفاع أصوات داخلية وخارجية تطالب بحصر السلاح بيد الدولة.
وقد أشارت وكالة “رويترز” إلى أن الحزب يسعى من خلال هذه الانتخابات لإظهار أنه ما زال ممسكًا بخيوط اللعبة السياسية، رغم أنه فقد عددًا من أبرز قياداته وآلاف من مقاتليه، كما تقلص نفوذه بشكل ملحوظ أمام خصومه السياسيين، ومعه تأثرت قدرته على التأثير في القرار الرسمي اللبناني.
ومع إعلان الحكومة الجديدة عزمها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أميركية، والذي ينص صراحة على نزع سلاح الجماعات المسلحة، بدا واضحًا أن حزب الله أمام مرحلة غير مسبوقة من التحديات الوجودية. فمطالبة الدولة بحصر السلاح في يد الجيش أصبحت شرطًا أساسياً للحصول على أي دعم دولي لإعادة إعمار الجنوب والمناطق المتضررة.
وزير الخارجية اللبناني، يوسف راجي، أكد بدوره أن المجتمع الدولي ربط المساعدات بإخضاع السلاح لسلطة الدولة، وهو ما وضع ملف حزب الله مجددًا في قلب الانقسام اللبناني، مشيرًا إلى أن الدول المانحة لن تدعم الإعمار طالما ظل السلاح خارج إطار الشرعية.
في السياق ذاته، أفاد مصدر دبلوماسي فرنسي بأن أي عملية إعادة إعمار لن تكون ممكنة دون وقف القصف الإسرائيلي وتسريع الحكومة اللبنانية في التعامل مع مسألة السلاح. وأضاف أن المجتمع الدولي يريد أيضًا التزامات واضحة بإجراء إصلاحات اقتصادية.
من جهته، حمّل حزب الله الحكومة مسؤولية التأخير في التحرك لإعادة الإعمار. وقال النائب حسن فضل الله إن على الدولة تأمين التمويل اللازم، متهمًا إياها بالتقصير، محذرًا من أن غياب العدالة في التعاطي مع المناطق المتضررة سيعمّق الانقسام الطائفي والسياسي.
وقال: “لا يمكن أن ينعم جزء من الوطن بالاستقرار بينما يعاني الآخر من الألم”، في إشارة إلى مناطق نفوذ الحزب في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية التي تعرضت لقصف إسرائيلي مكثف.
من جانبه، رأى مهند الحاج علي، الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن ربط المساعدات بمسألة نزع السلاح يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض، لكنه أشار إلى أن الحزب قد يرفض هذا الطرح بشدة لما يمثله من تهديد مباشر لمستقبله.
أما رئيس مجلس الجنوب، هاشم حيدر، فأكد أن الدولة تفتقر للموارد الكافية لإطلاق عملية الإعمار، إلا أنه أشار إلى أن العمل جارٍ لرفع الأنقاض كبداية.
وبحسب البنك الدولي، فإن كلفة إعادة الإعمار والتعافي في لبنان تقدر بنحو 11 مليار دولار، وهو مبلغ يعكس حجم الدمار الذي خلفته الحرب وتحديات المرحلة المقبلة.

