يعود ملف ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا إلى الواجهة مجددًا، مدفوعًا باهتمام أميركي متجدد، ورعاية سعودية خلف الكواليس، وفق ما كشفته مصادر وزارية لصحيفة “الشرق الأوسط”. ويأتي هذا التطور بالتزامن مع زيارة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سوريا، والسفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، إلى بيروت، حيث التقى كبار المسؤولين اللبنانيين، من ضمنهم رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيسا البرلمان والحكومة نبيه بري ونواف سلام، إضافة إلى قيادة الجيش.
الزيارة حملت في طيّاتها مقترحات عملية لتطبيق القرار الدولي 1701، وفي مقدمها ترسيم الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا، كخطوة ضرورية لبسط السيادة اللبنانية على أراضيها ووقف الخروقات المستمرة.
ووفق المعلومات التي أوردتها “الشرق الأوسط”، لعبت المملكة العربية السعودية دورًا فاعلًا في تهدئة التوترات الأخيرة في مناطق البقاع الشمالي، عبر استضافة لقاء لبناني-سوري ساهم في وقف الاشتباكات داخل المناطق الحدودية المتداخلة. ودفعت هذه المبادرة إلى إعادة طرح ملف الترسيم، الذي طالما واجه عراقيل سياسية وأمنية.
الرؤية الأميركية الجديدة التي يحملها برّاك تنطلق من قناعة بأن ضبط الحدود هو مفتاح لتعزيز الاستقرار الأمني في لبنان، والحد من التهريب والفوضى الناتجة عن المعابر غير الشرعية، التي كانت تُستخدم سابقًا لنقل المخدرات، وعلى رأسها “الكبتاغون”، بتغطية من النظام السوري السابق.
وتعيد هذه التطورات إحياء مبادرات سابقة جُمّدت لأسباب سياسية، أبرزها ما جرى عام 2006 في إطار هيئة الحوار الوطني برئاسة نبيه بري، حين اقترح أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله استبدال مصطلح “ترسيم” بـ”تحديد”، بحجة الحفاظ على ما وصفه بالعلاقات الأخوية بين الدولتين.
لكنّ تلك المحاولات بقيت حبراً على ورق، نتيجة رفض دمشق الدخول في مفاوضات جدية. حتى أن زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى سوريا في عهد الرئيس ميشال سليمان، والتي شهدت اجتماعًا موسعًا مع نظيره السوري محمد ناجي عطري، لم تُفضِ إلى نتائج عملية، رغم التوافق المبدئي حينها على البدء بالترسيم من الشمال نحو الشرق. مصادر “الشرق الأوسط” كشفت أن لقاءً كان مقرّرًا لاحقًا بين الوزير جان أوغاسابيان ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، لوضع آلية للترسيم، لكنه أُلغي بعد تراجع دمشق بحجة انشغال لجانها بترسيم الحدود مع الأردن.
ومع تغيّر المعطيات السياسية الإقليمية، ترى المصادر أن الوقت أصبح ناضجًا لإعادة تحريك الملف، لا سيما أن الدولة اللبنانية تملك ملفًا متكاملاً للترسيم، مدعومًا بالخرائط والإحداثيات، ومحفوظًا لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء. وتشير إلى أن فتح هذا الملف قد يترافق مع مراجعة شاملة لاتفاقية “الأخوّة والتعاون والتنسيق”، التي أُبرمت سابقًا بين بيروت ودمشق، والتي يُنظر إليها اليوم كمصدر لاختلال في ميزان العلاقات بين البلدين.
في ظل هذا المشهد، يبرز ترسيم الحدود كخطوة سيادية مطلوبة، تتطلب إرادة سياسية من الطرفين، واستعدادًا لمغادرة مرحلة السيطرة والهيمنة التي شكلت أحد أبرز أسباب الانهيار اللبناني.

