تُسلَّط الأنظار إلى بيروت غداً، حيث يحطّ الموفد الأميركي توماس برّاك لتسلُّم الرد اللبناني على الورقة التي سلّمها للمسؤولين قبل ثلاثة أسابيع، وسط مشهد داخلي لا يزال يراوح في دائرة التردّد والانقسام، بين من يسعى لتقديم موقف متماسك يأخذ في الاعتبار التوازنات الدقيقة، وبين “حزب الله” الذي يرفض أي نقاش في مسألة سلاحه وفق الإيقاع الأميركي.
صحيفة “الراي” الكويتية واكبت هذا التطور المفصلي، مشيرة إلى أنّ العدّ التنازلي لما بات يُوصف بـ”ساعة الحقيقة” قد بدأ، مع اقتراب لحظة الحسم في ملف السلاح الذي لطالما كان محور التجاذبات الداخلية والخارجية. فإما تَنازُلات من “حزب الله” لصالح الدولة وحصرية السلاح، أو إعادة تقييم دولي للأفق السياسي في لبنان وفرصه في الانضمام إلى خريطة “الشرق الجديد”.
الورقة الأميركية التي سيتسلم برّاك الرد عليها، ترتكز إلى معادلة ثلاثية واضحة:
- حصر السلاح بيد الدولة، ضمن إطار تنفيذي مقرّ من الحكومة اللبنانية وبسقف زمني لا يتجاوز 5 أشهر.
- انسحاب إسرائيلي من التلال الخمس المحتلة جنوباً، ضمن سياسة “الخطوة مقابل الخطوة”.
- استعادة الأسرى اللبنانيين وتثبيت وقف الاعتداءات، تمهيداً لترسيم الحدود مع إسرائيل وسوريا بما ينهي الجدل حول مزارع شبعا.
ورغم الجهود التي تبذلها اللجنة الثلاثية الممثِّلة للرؤساء الثلاثة (الجمهورية، الحكومة، البرلمان)، والتي عقدت اجتماعات متواصلة في الأيام الماضية، إلا أنّ موقف “حزب الله” لا يزال يُحرج الدولة اللبنانية، ويُعقّد مهمة التوصل إلى صيغة موحّدة.
وفي السياق نفسه، نقلت “الراي” عن مصادر سياسية رفيعة أنّ التردد الرسمي في تبنّي الورقة الأميركية كما هي، والميل نحو مقاربة “نعم ولكن”، يضع لبنان أمام اختبار صعب قد تكون له تداعيات دولية مباشرة. فواشنطن باتت تعتبر أن “الساعة تدق”، وأن على بيروت أن تُحدد موقفها بوضوح، بعيداً من المواقف الرمادية.
من جانبه، خرج “حزب الله” بموقف صريح على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، أكد فيه رفضه لأي ضغوط أميركية أو إسرائيلية، قائلاً: “نحن جاهزون للمواجهة، ولن نرضخ مهما كان الضغط”. هذا التصعيد جاء بعد تمسّك الحزب بالربط بين أي نقاش حول سلاحه وبين انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة، مع الإحالة مجدداً إلى فكرة “الحوار الداخلي” و”الاستراتيجية الدفاعية”، ما يفرغ الورقة الأميركية من مضمونها الزمني والتنفيذي.
ووفق ما علمت “الراي”، فإن الحزب سلّم رده إلى رئيس البرلمان نبيه بري، يتضمن استعداده لمناقشة ملف السلاح في إطار داخلي لبناني، لكن اللجنة الرئاسية المشتركة تتجه إلى عدم إدراج هذه الإحالة في الرد الرسمي، والاكتفاء بتأكيد مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.
من جهة أخرى، أنهى الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان زيارته إلى بيروت، بعد سلسلة لقاءات ركّز خلالها على ضرورة استفادة لبنان من الزخم الدولي، والإسراع في تنفيذ الإصلاحات وتثبيت الالتزامات السيادية، ولا سيما ما يتعلّق بالسلاح غير الشرعي.
وفي مؤشر لافت، نشر برّاك تغريدة على منصة “إكس” عشية وصوله، جاء فيها: “يستيقظ أمل لبنان! الفرصة سانحة الآن. إنها لحظة تاريخية لتجاوز الطائفية التي طبعت الماضي، وتحقيق وعد لبنان الحقيقي بأمل بلد واحد، شعب واحد، جيش واحد. لبنان بلد عظيم بشعبه… فلنجعل لبنان عظيماً من جديد”.
خلاصة المشهد، كما رسمته صحيفة “الراي” الكويتية:
لبنان يقف على مفترق طرق. أي تردّد أو تذاكٍ سياسي قد يكلّفه موقعه في المعادلات المقبلة. والكرة اليوم في ملعب السلطة الرسمية لتقديم ردّ يعكس سيادة الدولة، أو ترك الباب مشرّعاً أمام انزلاق البلاد مجدداً نحو العزلة والتفكك.

