كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تحقيق استقصائي موسّع، عن تفاصيل مروّعة تتعلّق بالإعدامات الجماعية والتعذيب المنهجي الذي مارسه نظام بشار الأسد داخل سجن صيدنايا، الذي وصفته بأنه “أحد أكثر المعتقلات رعبًا في العالم”.
“غرفة الشنق”: نمط شهري للإعدام
بحسب شهادات ووثائق حصلت عليها الصحيفة، تحوّل سجن صيدنايا إلى ما يشبه “مصنعًا للموت”، حيث كانت عمليات الشنق تُنفّذ شهريًا وبشكل دوري. في كل مرة، يُنقل المعتقلون ليلًا إلى “غرفة الإعدام”، حيث يُشنق العشرات دفعة واحدة. وقد وصف الناجون أصوات الاختناق وسقوط الأجساد، في مشهد مرعب يتكرّر بشكل منتظم، ويعكس وحشية منظّمة تقف وراءها الدولة.
مجزرة 2023: 600 قتيل خلال ثلاثة أيام
في آذار/مارس 2023، وقعت إحدى أفظع المجازر داخل السجن، حيث قُتل حوالي 600 معتقل خلال ثلاثة أيام فقط، وفق شهادة أحد الناجين. المذبحة تزامنت مع مفاوضات عربية لإعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية، ما يعكس تناقضًا فاضحًا بين الجرائم المرتكبة ومساعي إعادة الشرعية.
سقوط النظام وكشف المستور
مع انهيار نظام الأسد في نهاية عام 2024، اقتحم الثوّار سجن صيدنايا وحرروا من تبقّى من السجناء، كاشفين عن حقبة طويلة من الرعب والإبادة كانت تُدار بعيدًا عن أعين العالم. الوثائق التي عُثر عليها أظهرت أن النظام احتفظ بسجلات مفصّلة لعمليات الإعدام، وتحركات المعتقلين، وحتى وثائق وفاة رسمية، في مشهد بيروقراطي يُشبه ممارسات النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.
شهادات ناجين ومنشقين
استند التحقيق إلى روايات 21 معتقلًا سابقًا، بالإضافة إلى إفادات مسؤولَين منشقّين عن النظام شاركا في عمليات القتل، إلى جانب تحليلات خبراء دوليين في جرائم الحرب. توثق هذه الشهادات ممارسات مرعبة: حرمان من الطعام والماء، ضرب ممنهج، تعذيب جنسي، وإجبار المعتقلين على شرب مياه المراحيض للبقاء على قيد الحياة.
مقابر جماعية: 40 ألف متر مربع من الرعب
بحسب صور أقمار صناعية راجعتها الصحيفة، جرى دفن آلاف الضحايا في مقابر جماعية جنوب وشمال دمشق، خاصة في بلدة نجها وسهل قُطَيفة. وتُظهر الصور أن مساحة المقابر الجماعية توسعت من 19 ألف إلى 40 ألف متر مربع بين عامي 2014 و2019.
محاولة مساءلة… ولكن
بعد سقوط النظام، باشرت الحكومة السورية الجديدة دراسة جدية للتحقيق في جرائم الماضي. غير أن المسار محفوف بالتحديات، أبرزها الكلفة السياسية والمعنوية، وصعوبة فتح المقابر الجماعية وتحليل الحمض النووي، إضافة إلى ضرورة معالجة انتهاكات فصائل المعارضة المسلحة أيضًا.
ورغم فتح أبواب سجن صيدنايا للمحققين الدوليين، لم تُحسم بعد آلية المساءلة، في وقت تنتظر فيه آلاف العائلات السورية معرفة مصير أحبائها الذين “ضاعوا في صيدنايا”.

