يواجه لبنان أزمة مائية غير مسبوقة تنذر بانعكاسات خطيرة على مختلف القطاعات الحيوية، بعد أن سجّلت بحيرة القرعون، وهي الخزان الأكبر على نهر الليطاني، تراجعاً حاداً في منسوب مياهها إلى أدنى مستوى منذ عقود، نتيجة ما وصفه الخبراء بأسوأ موجة جفاف تضرب البلاد في تاريخها الحديث.
وكشفت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أن تدفقات المياه إلى البحيرة خلال موسم الأمطار الماضي لم تتجاوز 45 مليون متر مكعب، في حين يبلغ المعدل السنوي الطبيعي حوالى 350 مليوناً. وفي مقارنة صادمة، بلغ حجم التدفقات العام الماضي نحو 230 مليون متر مكعب، ما يعكس الانحدار المقلق في الموارد المائية.
وبحسب رئيس المصلحة سامي علوية، فإن كمية المياه المتبقية في البحيرة تُقدّر حالياً بنحو 61 مليون متر مكعب، إلا أنها غير صالحة للاستخدام بسبب التلوث المتراكم. وأضاف: “رغم مرونا بسنوات جافة في أواخر الثمانينيات، إلا أن ما نعيشه اليوم هو الأسوأ من حيث انحسار المتساقطات”.
هذا التراجع الحاد في منسوب المياه أصاب محطات توليد الكهرباء الكهرومائية بالشلل، ما زاد من حدة أزمة الكهرباء المستمرة منذ سنوات. وقد اضطرت مؤسسة كهرباء لبنان إلى تقليص الإنتاج وترشيد التوزيع، وسط ضغط متزايد على الشبكة الوطنية.
وأشار علوية إلى أن الأزمة لا تقتصر فقط على شح الأمطار، بل تتفاقم بفعل الاستنزاف الكبير للمياه الجوفية. وقال إن تغير المناخ والاحترار العالمي لعبا دوراً محورياً في تجفيف التربة وعرقلة تغذية الخزانات الطبيعية.
وفي سهل البقاع، أحد أبرز المناطق الزراعية في لبنان، يعاني المزارعون من تداعيات الأزمة بشكل مباشر. يقول المزارع صفا عيسى: “ما شفنا نشف مثل هالسنة. الثلج اختفى، والمواسم ما عادت تمشي”. ويؤكد فايز عميص، أحد المزارعين أيضاً، أن انقطاع الكهرباء المتكرر يعرقل عمليات الريّ: “نروي ثلاث ساعات ونوقف ثلاث… ما فينا نكمل هيك”.
في المقابل، أعلنت وزارة الطاقة والمياه نيتها إطلاق حملة توعية وطنية للحد من استهلاك المياه، بحسب ما أوضحته المستشارة في الوزارة سوزي حويك، التي أكدت أن “إدارة الطلب بشكل حكيم هو التحدي الأهم في المرحلة المقبلة”.
ومع تفاقم الوضع، بدأت المرافق العامة بتقليص ساعات ضخ المياه إلى عدد كبير من المناطق اللبنانية، حيث انخفض الضخ اليومي من 20 ساعة إلى أقل من 10 ساعات، في محاولة لضبط الاستهلاك ومنع الوصول إلى الانهيار الكامل في إمدادات المياه.

