تشهد السويداء مشهداً داخلياً بالغ التعقيد، إذ لم تعد الدعوات إلى الانفصال مجرّد همس، بل انتقلت إلى العلن عقب الاشتباكات الدامية بين قوات وزارة الدفاع السورية وعشائر بدوية وفصائل محلية. ورغم ما يبدو وكأنه إجماع على القطيعة مع دمشق، تكشف شهادات الأهالي عن واقع مختلف، حيث لا يزال قسم واسع يرى في العاصمة “قبلته السياسية”.
إثارة الجدل جاءت مع رفع العلم الإسرائيلي وشكر الشيخ الهجري لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما اعتبره كثيرون خطوة صادمة لا تعبّر عن المزاج العام للدروز، الذين يستحضرون تاريخهم الوطني في مقاومة الانتداب الفرنسي ورفض دروز الجولان حمل الهوية الإسرائيلية لعقود.
انقسام المزاج الشعبي يتضح في شهادات أبناء السويداء: فالبعض يرى في رفع الرايات الإسرائيلية “انتقاماً” من الجرائم التي طالت الدروز من قتل واغتصاب وحرق قرى، فيما يراه آخرون انزلاقاً خطيراً يهدد الهوية الوطنية. الشيخ الهجري برز كمرجعية سياسية واسعة النفوذ بعد المجازر الأخيرة، بينما اعتبرت أصوات شبابية أن الهوية السورية فقدت معناها بعد ما سُفك من دماء تحت العلم الرسمي.
في المقابل، علت أصوات رافضة للانفصال: الصحافي أدهم الطويل كتب “أنا ابن السويداء… لا أريد الانضمام إلى كيان الاحتلال”، فيما شدد أحمد معاذ الخطيب على أن التيار الأكبر في بني معروف وطني الهوى، وانتقد قصور الحكومة في معالجة الملف. كذلك وصف المفكر الإسلامي محمد حبش رفع العلم الإسرائيلي بأنه “مخجل” داعياً إلى حوار وطني برعاية عربية، بينما حمّل آخرون الشيخ الهجري مسؤولية التصعيد عبر استدعاء الدعم الإسرائيلي.
بين دعوات الانفصال وأصوات التمسك بالهوية، تبدو السويداء اليوم ساحة تعكس مأساة وطنية أعمق، وصراعاً على المستقبل السوري في ظل انقسامات داخلية وتدخلات خارجية متشابكة.

