في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي على جرود السلسلتين الشرقية والغربية في البقاع، وما رافقها من تحليقات مكثفة للطيران المعادي فوق سهل البقاع، شهدت بيروت حراكاً دبلوماسياً لافتاً تمثل في زيارة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، الرئيس الجديد للجنة الإشراف على وقف الأعمال الحربية (الميكانيزم)، ولقاءاته مع كبار المسؤولين اللبنانيين، بهدف تثبيت وقف الأعمال العدائية في الجنوب اللبناني.
استهلّ كليرفيلد جولته بلقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون، حيث أطلعه على خطة عمل اللجنة التي تهدف إلى عقد اجتماعات دورية لتثبيت الهدوء في الجنوب. وأكد عون ضرورة تفعيل اللجنة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، مشدداً على أن لبنان ملتزم بالاتفاق المبرم لوقف الأعمال العسكرية، وأن الجيش اللبناني يعزز انتشاره جنوب الليطاني ويعمل على إزالة المظاهر المسلحة ومراقبة الأنفاق والمواقع الحساسة. ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة دعماً لاستقرار الجنوب.
وفي عين التينة، عرض رئيس مجلس النواب نبيه بري مع الجنرال الأميركي استمرار الانتهاكات الإسرائيلية اليومية التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية، متهماً إسرائيل بخرق القرار 1701 وعرقلة تنفيذه عبر إبقائها على أراضٍ لبنانية محتلة.
ثم انتقل كليرفيلد إلى السراي الحكومي حيث التقى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وتم الاتفاق على تفعيل اجتماعات لجنة الميكانيزم وتعزيز التنسيق بين الجانبين. وأكد سلام التزام لبنان بخطة الجيش لحصر السلاح جنوب الليطاني قبل نهاية العام، داعياً إسرائيل إلى الالتزام بوقف اعتداءاتها وانسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة. كما شدد على أن الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها المحدد العام المقبل دون أي تمديد أو تأجيل، مؤكداً جهوزية الحكومة وأجهزتها الأمنية لهذا الاستحقاق.
وعُقدت لاحقاً جلسة لمجلس الوزراء تناولت الملفات الأمنية والاقتصادية والتفاوض مع إسرائيل، وسط إضراب موظفي القطاع العام. وطالب المجلس الدول الضامنة لوقف إطلاق النار بالعمل الجاد لتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية.
ومن أبرز مقررات الجلسة:
- منح اتفاقية استكشاف وإنتاج في الرقعة رقم 8 في المياه اللبنانية لتحالف TotalEnergies، قطر للطاقة، وENI الإيطالية.
- تعيين هيئة الأسواق المالية ومجلس إدارة مرفأ طرابلس.
- تعيين الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء.
- إبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص.
- إصدار طابع بريدي تذكاري بمناسبة زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان.
- إنشاء وسام “فجر الجرود” تكريماً لبطولات الجيش اللبناني.
على الصعيد الإقليمي، أثار تصويت الكنيست الإسرائيلي بالقراءة التمهيدية على قانون ضم الضفة الغربية موجة غضب واسعة، إذ وصف مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الخطوة بأنها “استفزاز سياسي من المعارضة” خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى إسرائيل. وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن القانون لن يُستكمل دون موافقة الحكومة.
من جانبه، شدد فانس على أن إسرائيل لن تقدم على ضم الضفة الغربية، محذراً من أن أي خطوة من هذا النوع قد تهدد وقف إطلاق النار في غزة. وأوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل قد تفقد الدعم الأميركي إذا مضت في الضم.
وقد توالت الإدانات الدولية من السعودية والأردن ومصر وقطر وتركيا ودول عربية وإسلامية عدة، إضافة إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، التي وصفت التصويت الإسرائيلي بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2334، مؤكدين أن لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أما على الصعيد الدولي، فقد رحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالحزمة الأوروبية التاسعة عشرة من العقوبات ضد روسيا، معتبراً أنها خطوة حاسمة نحو وقف النار، فيما ردت موسكو عبر المتحدثة باسم خارجيتها ماريا زاخاروفا بالتأكيد أن بلادها “محصنة ضد العقوبات الغربية” وستواصل تطوير قدراتها الاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة.
في المحصلة:
بين التصعيد الإسرائيلي في البقاع، والحراك الأميركي لتثبيت الهدنة في الجنوب، والقرارات الحكومية الداخلية ذات الطابع الإصلاحي، يجد لبنان نفسه في سباق دقيق بين الأمن والسياسة، وبين تثبيت الاستقرار ومواجهة الخروقات الإسرائيلية المستمرة، وسط مشهد إقليمي ودولي متقلب تتداخل فيه ملفات الحرب والاقتصاد والسيادة.

