تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً خطيراً يتقاطع فيه الاستهداف الإسرائيلي المباشر مع الضغوط الإيرانية المتزايدة على مؤسسات الدولة، في مشهد يعكس اتساع دائرة الاستباحة للسيادة اللبنانية من كل الجهات.
ففي الجنوب، تواصل إسرائيل أعمال بناء الجدار الإسمنتي الذي تجاوز أجزاء واسعة من “الخط الأزرق”، وفق ما أكّدته قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل”. وقد تحوّل هذا الخرق إلى مواجهة مباشرة بعدما استهدفت دبابة ميركافا دورية لليونيفيل داخل الأراضي اللبنانية، في أحد أخطر الانتهاكات منذ سنوات.
القوات الدولية وصفت الاعتداء بأنه خرق فاضح للقرار 1701، فيما أكد الجيش اللبناني أن إسرائيل باتت تعرقل استكمال انتشاره في المنطقة، وتُصرّ على زعزعة الاستقرار، ما دفع لبنان إلى رفع شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، مرفقة بتقارير أممية توثّق قضم أكثر من 4 آلاف متر مربع من الأراضي اللبنانية بفعل الجدار.
ورغم محاولة الجيش الإسرائيلي التقليل من خطورة الاعتداء عبر الحديث عن “سوء تقدير”، تشير معطيات ميدانية وسياسية إلى أن تل أبيب تستبق أي مفاوضات محتملة حول ترسيم الحدود البرية، وتسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي يرى أن استمرار البناء قد يجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر تعقيداً، وقد يرسّخ “خطاً أزرق معدلاً” يخسر فيه لبنان جزءاً من حقوقه.
بالتوازي، شهد الداخل اللبناني تصعيداً سياسياً آخر، وهذه المرة من الجانب الإيراني. فبعد أيام على الكشف عن تمويل طهران لـ”حزب الله” بمليار دولار هذا العام، هاجمت صحيفة “طهران تايمز” إجراءات مصرف لبنان التي تستهدف اقتصاد الكاش، معتبرة أنها “خضوع كامل لواشنطن”. هذا الهجوم يعكس توتراً متزايداً مع بدء تنفيذ إجراءات مالية للحد من التدفقات النقدية غير الشرعية، ما أثار غضب دوائر مؤثرة مرتبطة بإيران داخل لبنان.
في المقابل، يعيش الداخل على وقع أسبوع سياسي حساس، مع اقتراب نهاية مهلة تسجيل المغتربين في 20 تشرين الثاني، وسط تحركات نيابية تدفع نحو تثبيت حق المنتشرين في انتخاب النواب الـ128، بالتزامن مع سجالات سياسية حادة بين القوى المحلية حول السلاح والهوية الوطنية ودور الدولة.
ومع دخول السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى على خطّ التحرّك الدبلوماسي، واستمرار توتر الجنوب، يبدو لبنان أمام مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والإيرانية والدولية، فيما تبقى الساحة الداخلية الأكثر هشاشة في مواجهة هذه الضغوط المتراكمة.

