قدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون خطابًا وطنيًا لافتًا من الجنوب، اختار فيه أن يعيد رسم معنى الاستقلال من قلب المنطقة التي دفعت أثمان الحروب والانقسامات. ظهور الرئيس هناك لم يكن خطوة رمزية فحسب، بل رسالة سياسية واضحة بأن زمن التشتت والسيادات المتوازية يقترب من نهايته، وأن مشروع الدولة الواحدة يعود إلى الواجهة بقوة.
في كلمته، أعاد الرئيس تعريف الاستقلال بوصفه عملية بناء مستمرة تقوم على الشفافية والمصارحة، لا على الاحتفالات السنوية. وأقرّ بصراحة أن لبنان دفع أثمانًا باهظة نتيجة الارتهانات والصراعات الداخلية وغياب حصرية السلاح، معتبرًا أن اللحظة الحالية هي الفرصة الأخيرة لإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية جامعة.
وشدّد عون على أن حماية جميع اللبنانيين تتطلب إنهاء الخطابات الإلغائية من أي طرف، ورفض منطق الغلبة أو العزل. فالدولة، بحسب تعبيره، لا يمكن أن تستعاد إلّا عبر إعادة الاعتبار للقانون، ووقف التعدّي على المال العام، واستعادة ثقة المواطن بمؤسساته.
وخصّ رئيس الجمهورية أبناء الجنوب بتحية تقدير، معتبرًا أنهم أحد أعمدة الصمود الوطني، وأن الاعتراف بدورهم ليس مجاملة سياسية بل جزء من مشروع وطني يهدف إلى ترميم الثقة بين الدولة ومواطنيها.
وفي قراءته للمشهد الإقليمي، رأى عون أن التحولات التي أعقبت اتفاق غزة تفرض على لبنان دورًا جديدًا في مسار السلام، قائمًا على قراره الحرّ لا على حسابات الآخرين. وأشار إلى مؤشرات إيجابية برزت في القمة الأميركية – السعودية، مؤكدًا أن لبنان سيكون شريكًا فاعلًا في المرحلة المقبلة.
لكن الرسالة الأبرز جاءت عبر المبادرة التي أعلنها من الجنوب، وتشمل:
- جهوزية الجيش لتسلم جميع النقاط المحتلة على الحدود الجنوبية.
- تقديم جدول زمني واضح للجنة الخماسية لتتبع مراحل التسلم.
- التأكيد على أن القوى المسلحة اللبنانية وحدها صاحبة السلطة جنوب الليطاني.
- الانخراط في مفاوضات ترمي إلى وقف دائم للاعتداءات.
- إطلاق مسار دولي لدعم الجيش وإعادة الإعمار، وصولًا إلى حصر كل سلاح خارج إطار الدولة.
بهذه المقاربة، رفع جوزاف عون السقف السيادي إلى مستوى غير مسبوق منذ الطائف، واضعًا الدولة والمجتمع الدولي أمام مسؤوليات حقيقية، ومعلنًا نهاية مرحلة التسويات الرمادية.
وتوقف الرئيس أيضًا عند الوضع الداخلي، مشيرًا إلى بوادر تحسّن اقتصادي وإلى صمود المؤسسات الرسمية رغم الضغوط، داعيًا إلى منحها فرصة العمل ضمن نهج مؤسساتي يعيد للدولة دورها وفعاليتها.
في ختام خطابه، بدا واضحًا أن الرئيس يريد إعادة تكوين مفهوم القيادة في لبنان: قيادة تُبنى على وحدة اللبنانيين تحت سقف واحد، لا على موازين القوى المؤقتة. فخطابه حمل روحًا جديدة للاستقلال، تستعيد لبنان كدولة لا كجزر متناحرة، وتضع البلاد على عتبة مرحلة سياسية مختلفة.
إنه خطاب رئيس يرى أن الوقت حان لعودة الدولة، بعدما ابتعدت طويلًا عن مركز القرار، ويؤمن بأن مشروع الاستقلال الحقيقي يبدأ الآن.

