في ظل عواصف السياسة والاقتصاد والحرب، بدا أن الليرة اللبنانية نجحت — إلى حد ما — في الحفاظ على استقرار نسبي مقابل الدولار في السوق الموازية طوال ثلاثة عشر شهراً متتالياً. هذا ما كشفه التقرير الفصلي الأخير لبنك عوده، لافتاً إلى أنّ هذا الثبات لا يعكس عودة حقيقية لدور العملة الوطنية، بل يُخفي هشاشة عميقة في بنيتها الوظيفية.
ففي حين غابت الليرة عن المشهد التجاري اليومي كوحدة تسعير أو أداة ادخار وقرض، عزى التقرير هذا “الاستقرار الظاهري” إلى السياسة النقدية المتشددة التي انتهجها مصرف لبنان، وعلى رأسها سحب السيولة من السوق. وقد بلغت الكتلة النقدية المتداولة بالليرة في العامين الأخيرين حوالي 65 تريليون ليرة فقط، أي ما يعادل أقل من 800 مليون دولار — نسبة تقل عن 10% من الاحتياطات الأجنبية للمصرف المركزي، وهو ما أبقى هامش المناورة قائماً.
توازن مالي وفوائض “غير عضوية”
التقرير تطرّق أيضاً إلى مؤشرات مالية لافتة، أبرزها التوازن النسبي بين الإيرادات والنفقات العامة في عامي 2023 و2024، إذ قاربت الإيرادات 3.11 مليار دولار عام 2023 مقابل 3.14 مليار دولار نفقات، لترتفع الإيرادات في 2024 إلى 4.65 مليار مقابل 4.55 مليار دولار نفقات.
أما على صعيد ميزان المدفوعات، فسُجّلت فوائض متزايدة: 2.2 مليار دولار في 2023، و6.4 مليار في 2024، وصولاً إلى 8.1 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025. لكن مع استقرار أسعار الذهب وسعر الصرف الرسمي، تُقدر الفوائض “الحقيقية” بأقل من ذلك بكثير، وهو ما يعكس تدفقاً خارجياً إيجابياً لكنه غير دائم أو مؤسس على بنية اقتصادية منتجة.
الليرة في العزل الوظيفي: غائبة عن التسعير والإقراض والادخار
رغم المؤشرات الرقمية المطمئنة جزئياً، يقرّ التقرير بأنّ الليرة لا تزال معطّلة وظيفياً. فالتسعير بالدولار لا يزال سائداً في معظم القطاعات، والليرة تُستبعد من العمليات الكبرى، فيما تشهد أدوات الدفع بالعملة الوطنية (مثل الشيكات والبطاقات المصرفية) استخداماً محدوداً. وفي هذا السياق، يرى التقرير أن خطوة البرلمان بإصدار أوراق نقدية بقيم 500 ألف ومليون ليرة قد تمهد لتوسيع دورها في التداول.
كذلك، تُفضل المؤسسات والمصارف استخدام الدولار كوحدة محاسبة، في حين دعا التقرير إلى إدخال تدريجي لليرة في السجلات المالية، بالتوازي مع الإفصاح بالدولار أو اليورو، لا سيما في الشركات الكبيرة.
أما على صعيد الادخار، فالبيانات تُظهر أن الثقة بالعملة المحلية لم تُستعد بعد، رغم ارتفاع الفوائد على الودائع بالليرة إلى 2.1% في مايو 2025، مقابل 0.1% فقط للدولار. الأمر نفسه ينسحب على الإقراض، حيث تظل الليرة خارج عمليات التسليف، مما يُبقي الوساطة المالية مشلولة.
خلاصة: العملة موجودة… لكن بلا دور
يخلص التقرير إلى أن وجود الليرة في السوق لا يعني بالضرورة فاعليتها، فهي أشبه بـ”عملة معلّقة” تؤدي دوراً شكلياً في ظل اقتصاد يُدار بمعظمه بالدولار. ويبقى التحدي الأكبر في إعادة بناء الثقة بها، وتوفير بيئة اقتصادية تُعيد إحياء وظائفها الأربع: التداول، التسعير، الادخار، والإقراض — وهي مهمة لن تنجح بالأرقام وحدها، بل بإصلاحات شاملة تُعيد الاعتبار للعملة الوطنية.

