يتوزّع المشهد اللبناني هذه الأيام بين عينٍ شاخصة إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وأخرى على الداخل، حيث وُصف إقرار الحكومة لمشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع بما يشبه “الإنجاز غير المكتمل”. هذا التوازي في الاهتمام عكسه بوضوح المشهد السياسي في بيروت، وفق ما أوردته صحيفة الراي الكويتية.
اللقاء الأميركي–الإسرائيلي يُنتظر أن يتناول الملف اللبناني من زاوية حساسة، أبرزها سلاح “حزب الله”، وسط حديث عن خطوة لبنانية مرتقبة مع مطلع السنة الجديدة تتصل ببدء مسار تفكيك السلاح شمال الليطاني. وتُقدَّم هذه الخطوة، في الأوساط الدولية، كأحد الشروط الأساسية لكبح أي تصعيد إسرائيلي واسع وتأجيله مرحليًا، ضمن معادلة أميركية تربط الاستقرار الأمني بالإجراءات الملموسة على الأرض.
بالتوازي، لا يقلّ مشروع “الفجوة المالية” أهمية في حسابات الخارج، إذ ينظر إليه المجتمع الدولي كجزء لا يتجزأ من مسار مزدوج: إصلاح مالي مقابل دعم دولي. فالمعادلة المطروحة واضحة: لا مساعدة للبنان من دون تقدم متزامن في ملف السلاح والإصلاحات البنيوية.
داخليًا، جاء إقرار المشروع بعد مسار طويل من التخبط استمر أكثر من ست سنوات، في ظل انهيار مالي غير مسبوق خلّف فجوة تقدّر بأكثر من 73 مليار دولار. إلا أن ولادة القانون لم تكن سهلة، إذ رافقها توتر داخل مجلس الوزراء وانقسام حاد عكس هشاشة التوافق السياسي، سواء في الشكل أو في المضمون.
وبرز دور رئيس الحكومة نواف سلام في الدفع باتجاه إقرار المشروع، مستندًا إلى ثقله السياسي والقانوني، رغم الاعتراضات الواسعة من جهات مصرفية وسياسية ومن مجموعات المودعين، التي رأت في بعض البنود مساسًا بحقوقها. ورغم تمرير المشروع بأغلبية 13 وزيرًا مقابل 9، إلا أن هذا التفاوت في التصويت عكس عمق الانقسام داخل السلطة التنفيذية.
وتشير التقديرات إلى أن رحلة المشروع في مجلس النواب لن تكون سهلة، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، حيث يُتوقع أن يواجه نقاشات مطوّلة في لجنة المال والموازنة، تتناول أرقام الفجوة الحقيقية، وتدقيق ميزانيات مصرف لبنان والمصارف، وحجم السيولة المتاحة، إضافة إلى ملف ديون الدولة وإمكان استخدامها في إعادة رسملة المصرف المركزي.
كما يبرز دور حاكمية مصرف لبنان في هذا المسار، لا سيما لجهة المطالبة بإدخال تعديلات تضمن العدالة وقابلية التطبيق، في ظل رهان على آليات تعويض المودعين، سواء عبر سقف 100 ألف دولار أو من خلال أدوات مالية طويلة الأجل.
دوليًا، لم يمر إقرار المشروع من دون أصداء، إذ سارعت فرنسا، عبر وزير خارجيتها، إلى الترحيب بالخطوة واعتبارها مدخلًا أوليًا لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي. وبين هذه الإشارات الإيجابية والضبابية السياسية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تشكل هذه التطورات فعلاً بوليصة أمان للبنان، أم مجرد هدنة مؤقتة بانتظار ما تحمله المرحلة المقبلة؟

