أعاد إقرار الحكومة اللبنانية لمشروع قانون “الاستقرار المالي واسترداد الودائع” فتح ملف القلق الواسع لدى المودعين، مع اقتراب إحالة المشروع إلى مجلس النواب.
ووفق ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط، تعززت هذه الهواجس بعدما طلب مصرف لبنان إدخال تعديلات تضمن العدالة والمصداقية وقابلية التطبيق، ما عكس وجود ثغرات أساسية في الصيغة الحالية.
وتشير المتابعات الأولية إلى موجة تساؤلات يومية يطرحها مودعون من مختلف الفئات، في محاولة لفهم مصير ودائعهم، والفوارق بين ما ينص عليه المشروع الجديد وما هو معمول به حاليًا عبر تعاميم المصرف المركزي، إضافة إلى مدى جدية الضمانات المرتبطة بالسندات المؤجلة. ويبرز في هذا السياق التأكيد الرسمي على منع المساس باحتياطي الذهب، استنادًا إلى القانون الصادر عام 1986، من دون أن يبدد ذلك القلق القائم.
وتتمحور أبرز المخاوف حول شريحة المودعين غير الكبار، الذين يتيح لهم المشروع استرداد ما يصل إلى 100 ألف دولار على أقساط تمتد لأربع سنوات، قبل الانتقال إلى سندات طويلة الأجل تستحق بعد عشر سنوات. وبين هؤلاء، حالات لأشخاص متقدمين في السن كانت ودائعهم تشكل مصدر دخل معيشي أساسي، وتتجاوز في كثير من الأحيان سقف المائة ألف دولار، ما يضعهم أمام مرحلة انتظار طويلة وغير مضمونة.
ويعزو مسؤول مالي هذه الهواجس إلى غموض يكتنف محاور جوهرية في المشروع، ولا سيما دور الدولة في معالجة ميزانية مصرف لبنان، وهي نقطة مفصلية لتحديد مصير توظيفات المصارف التي تفوق 80 مليار دولار لدى البنك المركزي. ويُعدّ حسم هذه المسألة شرطًا أساسيًا لطمأنة المودعين إلى جدوى الآليات المقترحة.
كما تمتد الشكوك إلى قدرة المصرف المركزي على الوفاء بالتزاماته، سواء في سداد الشريحة المضمونة نقدًا أو عبر إصدار سندات تمتد آجالها إلى 10 و15 و20 سنة، في ظل محدودية احتياطي العملات الصعبة وغياب موارد مستدامة واضحة. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الودائع، بعد تنقية غير المشروع منها، قد يبقى ضمن هامش مرتفع يصعب تمويله من دون خطة متكاملة.
ويضاف إلى ذلك غياب بيانات دقيقة حول حجم الخسائر الفعلية وقابلية السداد السنوي، ما يجعل تحديد الآليات النهائية مرهونًا بإعادة هيكلة شاملة للميزانيات، وبالتنسيق مع مؤسسات مالية دولية، وفي مقدمها صندوق النقد الدولي.
أما في ما يخص الضمانات، فيرى متابعون أن التعويل على احتياطي الذهب، الذي تتجاوز قيمته السوقية حاليًا 40 مليار دولار، لا يكفي وحده لترميم الثقة، خصوصًا في ظل سجل طويل من الإخفاقات الرسمية في الالتزام بالإصلاحات والتدقيق المالي، وما رافق سنوات الأزمة من تبديد واسع للاحتياطيات.
ولا يقتصر الجدل على الجانب المالي، إذ يمتد إلى المستوى السياسي. فقد أثار وزير العدل عادل نصار تساؤلات صريحة حول مصدر تمويل تنفيذ القانون، معتبرًا أن الإقرار السريع كان مدفوعًا بأسباب سياسية، من دون وضوح كافٍ بشأن القدرة الفعلية على حماية حقوق المودعين. وشدد على ضرورة التدقيق الجنائي وتحديد المسؤوليات بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف، قبل تحميل المودعين كلفة الانهيار.
وسط هذا المشهد، يبقى مشروع “قانون الودائع” محاطًا بعلامات استفهام كبرى، بين نصوص قانونية غير مكتملة، وأرقام غير محسومة، وثقة مفقودة… فهل تحمل المناقشات النيابية أجوبة حاسمة، أم يتعمق القلق أكثر؟

