تكشف مصادر وزارية لبنانية لـ”الديار” أن ما يُعرف بـ”الميكانيزم” يبدو في ظاهره إطارًا تقنيًا لضبط الخروقات وتثبيت الهدوء، إلا أنه في عمقه تحوّل إلى مساحة تداخل حاد بين رؤيتين استراتيجيتين متباينتين إلى حدّ التناقض.
فواشنطن، بحسب المصادر، تتعامل مع وقف الأعمال العدائية كمدخل لإعادة تشكيل الواقع الأمني في لبنان، عبر ربط أي تهدئة طويلة الأمد بمسار واضح لحصر السلاح. في المقابل، تعتمد باريس مقاربة أكثر واقعية، تضع أولوية منع الانفجار الشامل، وتفضّل إدارة النزاع تدريجيًا بدل الذهاب إلى حسم سريع قد لا يحتمله الداخل اللبناني.
هذا التباين انعكس، وفق المصادر، على عمل لجنة الميكانيزم خلال الأشهر الماضية، وأخرجها جزئيًا عن مهامها الأساسية. وزاد من حدة الإرباك الرفض الأميركي الصريح لإشراك فرنسا كشريك أساسي في “الميكانيزم 2″ بصيغته المدنية–العسكرية، حيث أُبلغت باريس برفض انضمام الموفد الرئاسي جان إيف لودريان إلى رئاسة الوفد الفرنسي، بعد تسمية لبنان السفير سيمون كرم. وتربط أوساط قريبة من الإليزيه هذا الموقف بما تصفه بـ”تصفية حساب” سياسية تهدف إلى تقليص الدور الفرنسي والحد من قنواته مع طهران وحارة حريك، وصولًا إلى تقاربه الأخير مع الرياض.
وتضيف المصادر أن باريس حاولت في الأيام الأخيرة، وبعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني، المناورة عبر طرح إطار ثلاثي أميركي–فرنسي–سعودي كبديل عن “خماسية باريس”، ما أثار امتعاض واشنطن، لا سيما مع سعي فرنسا إلى دفع الأميركيين نحو مؤتمر دعم الجيش رغم استمرار الفيتو الأميركي. هذا التوتر أدى في النهاية إلى سقوط زيارات موفدين بارزين، وتراجع مستوى التمثيل السياسي في اجتماع الميكانيزم، وسط موجة شائعات إعلامية في بيروت.
وتحذر المصادر من أن استمرار هذا “الإرباك الوظيفي” سينعكس سلبًا على عمل الميكانيزم، ويتجلى في ثلاث نقاط أساسية:
- أولًا، اختلاف تفسير مفهوم “الخرق”، إذ تعتبر واشنطن أن عدم حصر السلاح شمال الليطاني يشكّل خرقًا يستوجب ردًا دوليًا أو إسرائيليًا، بينما ترى باريس أن الاعتداءات الإسرائيلية بحد ذاتها انتهاك لوقف الأعمال العدائية.
- ثانيًا، تعثر إطلاق “الميكانيزم 2″، بعدما اصطدم الاقتراح الفرنسي الخاص بمراقبة نزع السلاح بشروط أميركية تمنح واشنطن إشرافًا مباشرًا وصلاحيات تنفيذية واسعة.
- ثالثًا، اهتزاز الثقة مع الجيش اللبناني، الذي يجد نفسه محاصرًا بين مطالب دولية صارمة وواقع ميداني وسياسي معقّد، ما يدفع التقارير الدولية إلى الخروج بصيغ رمادية لا تحسم الاتجاه.
وفي الخلاصة، ترى المصادر أن الدولة اللبنانية تقف أمام معادلة شديدة الصعوبة، بين ضغوط أميركية مرتفعة السقف ومقاربات فرنسية أكثر ليونة لكنها محدودة التأثير. ورغم أن الخلاف الأميركي–الفرنسي لا ينذر بانهيار فوري لوقف النار، إلا أنه يحوّل الميكانيزم إلى أداة لإدارة الأزمة بدل حلّها، ويفتح ثغرات قد تستغلها إسرائيل لتبرير العودة إلى تصعيد عسكري أوسع بحجة فشل الآلية الدولية في ضمان الأمن.

