تطرح التطورات الأخيرة تساؤلات جدّية حول أداء القضاء اللبناني، ولا سيما دور النائب العام التمييزي، الذي يُسجَّل له حرصه على انتظام عمل النيابات العامة وملاحقة ملفات الفساد، مقابل امتناعه، وفق قراءات قانونية، عن التعامل مع مواقف صادرة عن الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم، رغم ما تحمله من أبعاد دستورية وجزائية تمسّ سيادة الدولة وسلامة أراضيها.
وبحسب ما أوردته صحيفة نداء الوطن، فإن خطابات قاسم الأخيرة تجاوزت حدود التعبير السياسي، لتربط مصير لبنان مباشرة بخيارات إيران، وتؤكد انخراط الحزب في أي مواجهة قد تتعرّض لها طهران، ما يشكّل، وفق تفسير قانوني، تعدّيًا على الصلاحيات الحصرية لمجلس الوزراء في تقرير الحرب والسلم، كما نصّت المادة 65 من الدستور.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه المواقف قد تندرج أيضًا ضمن المخالفات الجزائية، لا سيما المادة 288 من قانون العقوبات، التي تُجرّم تعريض لبنان لأعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته الخارجية أو تعريض مواطنيه لأخطار أمنية، إضافة إلى نصوص أخرى تجرّم زجّ الدولة في نزاعات خارجية من دون قرار صادر عن مؤسساتها الدستورية.
وفي هذا الإطار، كان عدد من النواب والشخصيات القانونية قد تقدّموا بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية ضد قاسم، مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي، مطالبين بفتح تحقيق والاستماع إليه. إلا أن هذه الشكوى، بحسب مقدّميها، بقيت مجمّدة منذ نحو خمسة أشهر، ما أعاد فتح النقاش حول حدود استنسابية الملاحقة القضائية.
وتنقل نداء الوطن عن مصادر قضائية تأكيدها أن للنائب العام التمييزي سلطة تقديرية في تحريك الدعوى العامة، إلا أن أوساطًا قانونية ترى أن هذه الاستنسابية لا تبرّر تجاهل شكاوى تتوافر فيها عناصر جرمية جدّية، خصوصًا حين يتصل الأمر بالأمن القومي والسلم الأهلي.
وتحذّر مصادر حقوقية من أن الاستنسابية تتعلّق بملاءمة الملاحقة لا بشرعيتها، معتبرة أن الحد الأدنى المطلوب في مثل هذه القضايا هو فتح تحقيق أولي وجمع المعطيات والاستماع إلى الأطراف المعنية، لا سيما عندما يكون الموضوع مرتبطًا بشخصية ذات تأثير سياسي وأمني مباشر.
وتخلص الصحيفة إلى أن تجاهل هذه الخطابات، في ظل التوتر الإقليمي والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، يكرّس صورة الدولة العاجزة عن حصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها، ويعزّز الانطباع بازدواجية تطبيق القانون. كما تؤكد أن تحرّك القضاء لا يعني إدانة مسبقة، بل تثبيت مرجعية القانون، والتأكيد أن السيادة ليست شعارًا سياسيًا، بل مبدأ دستوري يخضع للمساءلة والمحاسبة.

