توضح صحيفة “النهار” أن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت الليرة اللبنانية اليوم مقيّمة بأقل من قيمتها الحقيقية يمكن أن تُقارب علمياً عبر أدوات معتمدة في الاقتصاد الكلي، أبرزها مفهوم سعر الصرف الفعّال الحقيقي (REER) الذي يقيس قوة العملة مقارنة بسلة عملات، مع احتساب الأسعار المحلية والقدرة الشرائية. ويقارن الخبراء بين السعر الفعلي للعملة والسعر التوازني المستند إلى الأساسيات الاقتصادية، وهي المنهجية نفسها التي يعتمدها صندوق النقد الدولي في تقييم الدول التي تمر بأزمات نقدية ومالية.
وتشير الصحيفة إلى أن التجارب الدولية بعد الأزمات الكبرى تُظهر غالباً أن سعر الصرف يهبط إلى ما دون المستوى الذي تبرره الأساسيات بسبب فقدان الثقة والذعر في الأسواق وتعطل القنوات المالية، وهي ظاهرة تُعرف بـ Overshooting. وقد سُجل ذلك في حالات مثل الأرجنتين وتركيا بعد 2001، وإندونيسيا بعد 1998، ومصر بعد تعويم 2016، حيث بدت العملات مقيّمة بأقل من قيمتها التوازنية بنسب كبيرة قبل أن تبدأ بالتعافي مع عودة الاستقرار.
ويُحتسب السعر التوازني وفق متغيرات أساسية تشمل صافي الأصول الأجنبية، وشروط التبادل التجاري، وفروق الإنتاجية، ودرجة الانفتاح، وحجم التحويلات من الخارج، وأحياناً الإنفاق الحكومي. وعندما يكون السعر الفعلي أدنى مما تعكسه هذه المؤشرات، تُصنّف العملة على أنها Undervalued في إطار مرحلة تصحيح حادة.
وبحسب “النهار”، تنطبق هذه الصورة على الحالة اللبنانية، إذ إن سعر الليرة في السوق لا يعكس حركة التجارة أو الإنتاجية أو التحويلات، بل يتحدد أساساً بعوامل الطلب النقدي المحلي في ظل الأزمة المصرفية وتعدد أسعار الصرف سابقاً وغياب آلية سوقية طبيعية. لذلك، يعكس السوق ما يشبه “تسعير الذعر” أكثر مما يعكس القيمة التوازنية، ما يجعل الليرة مثالاً واضحاً على حالة Overshooting.
وتدعم هذا الاستنتاج مؤشرات ميزان المدفوعات والتحويلات، إذ تُظهر التجارب أن العملة المقيّمة بأقل من قيمتها ترافقها زيادة في تحويلات المغتربين، وتحسن نسبي في الحساب الجاري، وارتفاع في القدرة التنافسية للصادرات والنشاط السياحي والاستهلاكي بالدولار. وهذه الظواهر، كما تشير الصحيفة، تظهر بوضوح في لبنان اليوم.
وتلفت “النهار” إلى أن الليرة كانت قبل منتصف 2019 مقيّمة بأعلى من قيمتها نتيجة سياسة التثبيت، لكنها بعد الصدمة لم تتوقف عند التوازن بل انتقلت إلى حالة انخفاض حاد في التقييم. وهذا لا يعني أن الاقتصاد بخير أو أن العملة قوية، بل إن السعر الحالي لا يعكس القيمة التوازنية.
أما عن إعادة النظر في سعر الصرف، فترى الصحيفة أنها قد تخفف الضغوط التضخمية، وتحسّن القدرة الشرائية، وتعزز الثقة بالعملة، وتزيد فاعلية التحويلات والنشاط الاقتصادي. في المقابل، فإن الإبقاء على الوضع الحالي يكرّس فقدان الثقة والدولرة، ويضعف القدرة الشرائية، ويوسّع الفجوة الاجتماعية، ويزيد الاحتقان الشعبي.
وخلاصة القول، وفق “النهار”، إن المؤشرات والمنهجيات المعتمدة دولياً، وتشابه التجربة اللبنانية مع أزمات سابقة، تدعم فكرة أن السعر الحالي لا يعكس القيمة التوازنية لليرة، بل مرحلة Overshooting. لذلك، تصبح إعادة تقييم سعر الصرف ضمن إطار إصلاحي وسياسة نقدية واضحة خطوة أساسية لتصحيح الانحراف، واستعادة الثقة، وتهيئة أرضية لتعافٍ اقتصادي تدريجي.

