كتب داني حداد في موقع Mtv:
هو اليوم العالمي لمكافحة الفساد. يُخصّص له العالم يوماً لمكافحته. نخصّص له في لبنان أيّام العام كلّه لتمدّده، في الرئاسات والإدارات وغالبيّة المؤسّسات. ولهذا الفساد مصدر واحد، غالباً ما نتغاضى عنه، لا بل غالباً ما يكون مصدر الفساد هو الشاكي منه!
نعيش في بلدٍ صغير. نعرف بعضنا بعضاً. نعرف ما يطبخه الجيران من الرائحة المتسرّبة من نوافذهم. ونعرف، أيضاً، كم يكسب أحدنا وكيف يعيش. إن قال جارك إنّ راتبه بالكاد يكفيه، ثمّ وجدته يبذّر المال لعرفت أنّ في الأمر علّة. إن رفع المسؤول صوته يوميّاً ليقول إنّه نظيف، وإنّه لا يوفّر جهداً لكي يكافح الفساد، ثمّ رأيت أداءه الملتوي، وشهدت على صفقاته، لما عدت تصدّق كلمة من زعيقه.
مكافحة الفساد ليست شعاراً، ولا مهرجاناً، ولا تزعيقاً على الناس، ولا تهويلاً عليهم. النزاهة أسلوب حياة، وهبة من الله، وقناعة كنزها لا يفنى. كنوز مكافحي الفساد تفوق أحياناً كنوز المعترفين بالفساد.
وإذا كان الفساد موجودا عند الكثير من السياسيّين والقضاة والضبّاط والموظفين، فهو ينطلق من مكانٍ واحد قبل أن يبلغ هؤلاء جميعاً. يبدأ من المواطن الذي يمارس الفساد، على حجمه، ويوصل الفاسدين الى المجلس النيابي، ويناصر الزعماء الفاسدين ويلجأ الى الموظف الفاسد ويبحث عن القاضي الفاسد، ويعرض الرشوة على العسكري الفاسد…
الفاسد الأكبر هو المواطن اللبناني الذي يحبّ السياسيّين الفاسدين أكثر من النزهاء، بدليل أنّ الفئة الأولى هي المسيطرة وهي التي تحكم غالباً، بينما يرسب الأوادم غالباً في الانتخابات، ويمكثون في منازلهم حيث يدخلون عالم النسيان. وحين يرحلون عن هذه الفانية، تكون قلّة في وداعهم، ولا يُعوّض عنهم إلا بوسامٍ على نعش ومقال رثاءٍ في صحيفة.
هذه كانت حال رئيس الوزراء الراحل خالد شهاب الذي كان يتجوّل بالترامواي لأنّه لم تكن لديه القدرة على أن يدفع أكثر من خمسة قروش بدل الانتقال من منزله الى ساحة البرج.
وهذه حال النائب الراحل جان عزيز الذي لم يكن يملك ثمن سيّارة، وينتظر من يقلّه لزيارة خاله البطريرك المعوشي.
ويُروى أنّ في أواخر الستينات سافر الصحافي حافظ ابراهيم خيرالله الى الفيليبين، وقال بعد عودته إنّها “بلاد جميلة لكنّ التخلف ضارب أطنابه. كلّ سياسيّ له موكب. وكلّ صاحب ثروة له مواكب. وكلّ بستان عليه حراس. وكلّ حزبين بينهما جيش فاصل. وكلّ اثنين بينهما أجنبي”.
كانت هذه حال الفيليبين، قبل ستّين عاماً، وهذه حالنا اليوم. التخلّف ضارب أطنابه، والفساد معشّش أينما كان. هذا ما جنيناه على أنفسنا بأنّنا “ركّبنا” الفاسدين على أكتافنا. هم يركبون وبعضنا يهتف مزهوّاً “بالدم، بالروح”…

